آخر تحديث :السبت-05 أبريل 2025-09:42م

مجلة جرهم


العالم وبناء الإنسان.. هرم الاحتياجـــات وضرورة الرعـــايـة

العالم وبناء الإنسان..   هرم الاحتياجـــات وضرورة الرعـــايـة

السبت - 05 أبريل 2025 - 09:37 م بتوقيت عدن

- مجلة جرهم ــ عبدالله محمد مناوس ـ رئيس التحرير


العالم والإنسان، أرض وخليفة وبناء، لا يتكامل بناء أحدهما إلا ببناء الآخر في علاقة تكاملية طردية واسعة تتجاوز حدود المكان والزمان، حيث يظل الإنسان محركًا رئيسيًا لأي تقدم أو تحول يحدث في هذا العالم، ولكن باستغلال ما يحويه هذا العالم من موارد وتحديات، وبالمقابل تسخير هذه الإمكانات في بناء الإنسان لتكتمل العملية، حيث يتطلب من الإنسان أن يتكيف، ويتعلم، ويبتكر ليظل قادرًا على المساهمة في بناء هذا العالم.
إن احتياجات الإنسان، سواء كانت جسدية أو فكرية، تشكل المحور الذي يدور حوله هذا التفاعل، حيث يسعى الإنسان دائمًا لتلبية تلك الاحتياجات عبر السعي المستمر للعلم والابتكار. وبذلك، يصبح الإنسان جزءًا من منظومة مستمرة من البناء والتطور، يتأثر بعالمه ويؤثر فيه في آن واحد.
على مدى العصور وعلى امتداد مسار التاريخ، لم تكن الأمم لتزدهر وتبني حضاراتها العظيمة إلا إذا وضعت الإنسان في قلب مشروعاتها، واعتنت بتطويره وتعليمه ورعايته. فالبشر هم الرافعة الحقيقية لأي تقدم، ومن دون بناء الإنسان وتلبية احتياجاته الأساسية، تظل أي محاولات للنهوض مجرد سراب. إن الإنسان، بمثابة اللبنة الأساسية في أي بناء حضاري، لا تكتمل صورته إلا عندما يُحسن الاستماع إلى احتياجاته النفسية والجسدية، ويتم تلبية رغباته في إطار يضمن له الحياة الكريمة، ويحفزه على الإبداع والمشاركة الفاعلة في تطوير مجتمعه.
فكل من يطمح في الارتقاء بوطنه أو مجتمعه يجب أن يبدأ من الأساس، أي من الإنسان نفسه، الذي من خلاله تُبنى الحضارات وتُكتب القصص الكبرى للشعوب، وتاريخ الحضارات الكبرى يبين أن التركيز على بناء الإنسان كان دائما محور الاهتمام، وفي سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نجد نموذجا واضحا حيث انطلق أولا نحو بناء إنسان قوي قادر على مواجهة التحديات، مما أهلهم بشكل فعال لبناء دولة المدينة والانطلاق لبناء أمة متماسكة.
ويشير المفكرون إلى أن الهدف الأساسي من كل الجهود الحضارية هو تعزيز مكانة الإنسان، فإذا بقي الإنسان في جهل وبدائية، فإن التقدم المادي يصبح بلا قيمة، لذا فإن الرقي المادي لا يعني شيئاً إذا لم يرافقه تطور حقيقي في الوعي والمعرفة الإنسانية.
الرحلة الأهم
ابتداءً من التأسيس الصحيح للفرد تبدأ رحلة النمو والتطور على المستويين الفردي والجماعي، والتي تتطلب تفاعلاً مع مجموعة من العوامل النفسية، الاجتماعية، والثقافية من أجل تشكيل واقع أفضل، في بناء الإنسان وبناء العالم، هذه الرحلة لا تقتصر فقط على الإبداع الفكري أو التقدم التكنولوجي، بل تشمل أيضًا تطور الإنسان من حيث القيم، الوعي، والقدرة على التكيف مع التغيرات، بما من شأنه الإسهام في بناء شخصية قوية وقادرة على مواجهة تحديات الحياة.
بناء الإنسان وبناء العالم هما عمليتان مترابطتان لا يمكن فصلهما. وتبدأ عملية بناء العالم من الإنسان نفسه، فهو لبنة أساسية في هذا البناء المُعقد. فمن خلال عقل الإنسان وإبداعه، تَشَكَّلَتْ الحضارات، ووُضِعَتْ أسس التقدم، إذًا فبناء العالم يبدأ من الداخل، من بناء الإنسان الواعي والمتزن، لأنه المفتاح الذي يفتح أبواب المستقبل الواعد، وهو المحور الأساسي للتغيير والإصلاح والتطور.
الإنسان والإنسان
لم يخلق الله الإنسان عبثا ولم يتركه سدى بل كرمه واستخلفه في هذه الأرض، وضمن له عبر تشريعاته وتوجيهاته الحفاظ على العرض والنسل والنفس والمال والدين، وعلمه ما لم يعلم وجعل طلب العلم فريضة وأوجب عليه السعي إلى عمارة الأرض وبنائها، فالإنسان هو المقصود من إرسال الرسل وتنزيل الكتب وتحكيم الشرائع في حياة البشر، والمرجو في كل هداياتِ الانبياء هو سعادة الإنسان بالإيمان.
وكما هو علاقة مهمة في ارتباط الإنسان بالعالم، فإن هناك انسجام وتكامل وعلاقة محكومة يجب أن يكون عليها الإنسان في علاقته بالإنسان وبغيره من المخلوقات، بحيث كرمه الله ووضع التشريعات وأرسل الرسل لضبط هذه المعاملات على اختلاف أنواعها وجوانبها حتى يستقر العالم ويتسنى له البناء والتنمية، وفي سياق التكريم الإلهي للإنسان حرص الشرع على حفظ الدماء، والأنفس، والحياة عامة، وراعى الكرامة الإنسانية، وحذره من الفساد في الأرض وسوء الاستخلاف، حيث ورد في النصوص القرآنية أدلة كثيرة تحذر من الفساد والافساد في الأرض فقال تعالى في سورة البقرة: { وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ 205}، وذكر أيضا في سورة القصص في إطار الحديث عن قارون قوله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ 77}، وهكذا ورد في النصوص الشرعية أدلةً كثيرةً في رعاية الجانب الإنساني وتنظيم الحياة وتحقيق العدالة بمختلف مستوياتها، ذلك أنه من بعد أن يضمن الإنسان حقوقه وتأمين احتياجاته ويعلم واجباته وما عليه، ينطلق في رحلة الإعمار والاستخلاف لبناء هذه الأرض في إطار مجتمع محكوم يسوده الأمن والاستقرار والازدهار ويضمن له الاستمرار والحياة الكريمة.
هرم الاحتياجات
عند استقراء نفس الإنسان ودوافعها واحتياجاتها بما من شأنه استغلال طاقة الإنسان والوصول إلى إمكاناته الكاملة واستثمارها بالشكل الأمثل في بناء أي حضارة أو نهضة تنموية، نجد من الأهمية بمكان ما قدمه عالم النفس الأمريكي "أبراهام ماسلو" من خلال تطويره لنظرية "هرم الاحتياجات" التي تعد من أبرز النظريات في مجال علم النفس الإنساني، وفي هذه النظرية يوضح تسلسل الاحتياجات البشرية التي يجب أن يتم تلبيتها بشكل متدرج ليتمكن الفرد من الوصول إلى ذاته الكاملة في مستوىً يستطيع من خلاله إبراز طاقاته ومواهبه في شكل إبداعات تخدم نفسه ومجتمعه والعالم، حيث يتدرج ماسلو في هرمه من القاعدة الأساسية التي تتمثل في توفير الاحتياجات الفسيولوجية (الأساسية) التي لا يستطيع الإنسان العيش بدونها وتشمل الطعام، الماء، النوم، الهواء، والراحة، وبالتالي تأتي الدرجة الثانية في سلم الاحتياجات وهي الأمان والاستقرار بأشكاله المختلفة إلى جانب الحماية من المخاطر والتهديدات، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ممتنا على قريش بقوله: "الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، وتأتي الدرجة الثالثة التي يجب أن يشعر بها الإنسان وفق هرم ماسلو متمثلة في احتياجات الانتماء والتفاعل الاجتماعي كالحب، والعلاقات الاجتماعية، والصداقات، والأسرة وغيرها، أما الدرجة الرابعة في ذلك الهرم فتتمثل في الحاجة إلى الشعور بالاحترام من الآخرين، سواء كان ذلك من خلال الإنجازات الشخصية، التقدير الاجتماعي، أو احترام الذات، وبتكامل تحقيق كل ما سبق وبعد تلبية هذه الاحتياجات، يسعى الفرد إلى الاجتهاد في تطوير نفسه بشكل كامل وذلك عبر تحقيق الذات وتقديم المطلوب منه من نواحي الابتكار والنمو الفكري والروحي وخدمة البشرية.
شواهد حضارية
لم ندر هل استقرأ ماسلو -حين بنى هرمه للاحتياجات- نماذج الحضارات القديمة وشواهد حضارات القرون الوسطى وقوة وظروف انسانها التي لا تزال دلالات عطائه ماثلة للعيان؟!، هل وقف وهو في القرن التاسع عشر أمام اهرامات الجيزة وتعمق في عظمة بنائها وظروف إنسانها حتى بنى نظرية هرمه؟!، تلك الشواهد التي حتى الآن لم يستطع العلم الحديث اكتشاف أسرار بعضها.
لنعبر من هناك زمانا ومكانا إلى العصور الوسطى حيث كانت بغداد شرقا والأندلس غربا تبني شواهد حضارية ضخمة في حين كانت تغرق دول ما يسمى -أوروبا حاليا- في عصور الكنيسة والظلام والاقتتال الذي يشبه إلى حد بعض الانحدار الذي تساق إليه بعض الدول العربية حاليا، كانت بغداد في عهد الخلافة العباسية أحد المراكز العلمية الكبرى في العالم، حيث كانت "بيت الحكمة" مركزًا للترجمة والعلم، بينما في حضارة الأندلس تجسد أحد أرقى وأروع النماذج التي شهدها بناء الإنسان في العصور الوسطى، إذ كان التعليم في الأندلس واحدًا من أرقى النظم في العالم، حيث تم تأسيس العديد من المدارس التي كانت تحتضن مجموعة من العلماء والمفكرين من مختلف الأديان. من أشهر المدارس كانت "البيمارستانات" (المستشفيات التعليمية) التي كانت تهتم بتعليم الطب والعلوم، وقد كان ابن رشد وابن سيناء من أبرز علماء الاندلس حينها، بل كان في قرطبة وحدها مكتبة تضم أكثر من 400،000 كتاب، وهو ما يعكس حجم المعرفة التي كانت متاحة للمجتمع. تم في الأندلس تطوير مجالات علمية متنوعة، من بينها الطب، الفلك، الرياضيات، والفيزياء. وفي الأندلس نفسها لا تزال غرناطة من أشهر الشواهد المعمارية الحضارية حيث تم استخدام الطراز المعماري الإسلامي الفريد الذي يجمع بين الجمال والوظيفة، وهو الأمر الذي لم يكن لولا وجود البيئة التي تهتم بالإنسان فتدفعه ليهتم بها ويخلد شواهده الحضارية فيها، حيث كان الاهتمام بتطوير الإنسان على المستوى الفردي والجماعي يعد من القيم الأساسية للدولة هناك.
العنصر الحاسم
وفي حين نتحدث عن الاستثمار الصحيح والتحدي الأقوى والرهان الأعظم لبناء وتخليد أي حضارة لا نجد الإنسان إلا هو ما نتحدث عنه، وإذا ما درسنا أو استقرأنا حاليا بروز العديد من الاقتصادات المتقدمة والنماذج الحضارية الحديثة نجد عند البحث عن أسباب تحقيقها أن ليس إلا سببا واحدا، هو الإنسان، ذلك أن دول مثل ألمانيا أو اليابان أو الصين أو أمريكا أو غيرها سواء على مستوى الدول أو الشركات العابرة للحدود والقارات؛ قدمت نموذجًا متكاملاً لبناء الإنسان يتجاوز الاحتياجات الأساسية إلى احتياجاته الثقافية والفكرية والتكنولوجية والإبداعية العليا، من خلال توفير بنية تحتية مستدامة وتطوير أنظمة تعليمية وعلمية متميزة. لقد تمكنت هذه الدول من تحقيق تقدم وازدهار اقتصادي واجتماعي هائل من خلال الاهتمام بالإنسان، عبر التأمينات والعطاءات ومستوى الرواتب والبنية التعليمية والحوافز وغيرها، فبعد خروج معظم هذه الدول من أتون الحربين العالميتين المدمرتين بدأ اليابانيون كغيرهم من حكومات وشعوب الدول المنافسة في ربط تقدم المجتمع بالتعليم المستمر والتدريب المهني، حتى تميزت كل منها في جانب محدد من جوانب التكنولوجيا والصناعات الحديثة.
فكل من اليابان وكوريا والصين ودول أوروبا ركزت على التعليم، البحث والتطوير، التدريب المهني، وخلق بيئات منفتحة على الابتكار. وبذلك، ساعدت هذه الاستثمارات في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وتحول في العديد من المجالات، مما جعل هذه الدول قوى اقتصادية كبيرة في عالم اليوم، ويظل الاستثمار في الإنسان هو العنصر الحاسم في استدامة هذا النمو، حيث أن النظم التعليمية القوية، والابتكار المستمر، والدعم المؤسسي قد ساعد هذه الدول في تحسين مستوى معيشة مواطنيها وتعزيز قدرتهم على مواجهة تحديات المستقبل.
تحديات كبرى
وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية وبخاصة في الدول الآسيوية والإفريقية الموصوفة بالنامية أو دول العالم الثالث تواجه الإنسانية تحديات كبرى، مثل التغيرات المناخية، الأزمات الاقتصادية، والصراعات الاجتماعية والطائفية والثقافات الخارجية، وأطماع الدول الكبرى التي تسعى إلى بناء إنسانها داخل حدودها، وتدمير الإنسان الآخر في مناطق الأطماع، وبدل ما يكون الإنسان هو الحل أصبح هو المشكلة.
ففي دول كثيرة من الشرق الأوسط صار دور الإنسان هامشيا إما لعدم فاعلية الحكومات في بعضٍ منها، أو نتيجة للصراعات التي صار البشر بسببها وقودا للحروب، أو في خيم النزوح، أو ضحايا في المعتقلات والسجون أو على أسلاك اللجوء في بلدان الهجرة.. وهناك من الدول من صار يُنظر للإنسان فيها كتكلفة وعائل على الدولة التي عجزت عن استثماره وتوفير البيئة المناسبة لتطويره والعمل على اشراكة في التنمية، وهذا دليل كبير على الفشل والهشاشة والضعف وعدم توفر الرؤية الواضحة، إذ لا يمكن أن تنجح أي إدارة في أي مؤسسة أو منظمة أو منشأه أو حتى بلد إذا لم يكن هناك إدارة للانسان وقيادة واعية تدرك قيمته ودوره بالشكل المطلوب.
طالما ارتبطت الحقوق بالإنسان في ظل قسمة ضيزي ومعادلة غير متوازنة عند تطبيق المعايير، فهناك تمييز بين إنسان وآخر على حسب قوة الدولة وعظمتها ورؤيتها للأحداث، وفي حين نسعى من خلال هذا الموضوع إلى توضيح أهمية الإنسان في بناء الدول نبحث أيضا عن الإنسان الآخر الذي غابت عنه أبسط حقوقه وصار عنوانا للاجرام والتوحش من أخيه الإنسان، نتيجة للوضع المرتبك والفهم الخاطئ والأطماع المركبة في منطقة الشرق الأوسط تحديدا للأسف.
وبرغم ذلك ومن خلال مقارنة الوضع في الشرق الأوسط بالنماذج الدولية، يمكن القول إن المنطقة تملك الإمكانيات والموارد التي تسمح لها بالتطور، ولكن لا بد من تركيز أكبر على الاستثمار في الإنسان عبر التعليم، البحث العلمي، الجوانب المهنية، تشجيع المبدعين، تدريب القوى العاملة، وتطوير القطاعات غير النفطية. من خلال تعزيز هذه المجالات، يمكن لدول الشرق الأوسط أن تحاكي النجاح الذي حققته دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وغيرها من الاقتصادات الحديثة والمنطلقة، وبالتالي تخلق بيئة تسمح لها بالتحول إلى اقتصادات قائمة على المعرفة والابتكار.
الإنسان أولاً
"الإنسان أولا" هو شعار مؤسسة جرهم التي تسعى إلى تعزيز الوعي الثقافي والاجتماعي من خلال تقديم محتوى إعلامي موثوق ومتميز عبر قنوات متعددة، بما في ذلك الصحافة المطبوعة والرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتعمل المؤسسة كمنارة للسلام والتنمية حيث تسهم في تعزيز القيم الإنسانية في المجتمع وذلك نحو بناء حاضر ومستقبل أفضل دون الانحياز لأي جهة سياسية أو طائفية.. كما تعمل المؤسسة على تعزيز الوعي الثقافي من خلال نشر المواضيع الهادفة.

إن اهتمام مؤسسة جرهم للإعلام والتنمية ببناء الإنسان يعكس التزامها العميق بتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، حيث تضع الإنسان في صميم أنشطتها ومبادراتها.. وتأمل المؤسسة أن تكون جزءًا فعالا في المعركة الفكرية والثقافية الذي يخوضها المجتمع اليمني والعربي والإسلامي ■