آخر تحديث :الأحد-30 مارس 2025-08:13م

مجلة جرهم


الــعــــــــــــراق.. انعكاسات الصراع الطائفي على الهــويــــة الـوطنـيـــــــــة

الــعــــــــــــراق..
انعكاسات الصراع الطائفي على الهــويــــة الـوطنـيـــــــــة

الأحد - 23 مارس 2025 - 02:29 م بتوقيت عدن

- مجلة جرهم ــ د.عبدالقادر الخلي ـ أستاذ بقسم التأريخ والعلوم السياسية ـ جامعة تعز

يُعتبر العراق من أكثر دول العالم تنوعًا من حيث تركيبته السكانية، فهو مجتمع غني بالأعراق والأديان والطوائف، مما يجعله نموذجًا مصغرًا للفسيفساء الإنسانية، حيث يتألف من العرب والكرد والتركمان والآشوريين والكلدانيين وغيرهم من الأقليات الإثنية، إضافة إلى تنوع ديني يضم المسلمين (شيعة وسُنَّة)، المسيحيين، الإيزيديين، والصابئة المندائيين، هذا التنوع، وإن كان مصدرًا للثراء الثقافي والحضاري، إلا أنه تحول في أوقات عديدة وخاصة في الفترة الحالية إلى عامل صراع تأثرت بناء عليه الهوية الوطنية للعراقيين وأعاق عملية البناء والتنمية في البلد.
التنوع الهُويّاتي
يشكل العراق بوتقة تنصهر فيها مختلف الهويات، مما يعكس تعقيدًا تاريخيًا وثقافيًا كبيرًا، ويعد التنوع الهوياتي في العراق أحد الخصائص البارزة التي تُميز هذا البلد الغني بالتاريخ والثقافة، وينعكس في مستوى التعدد العرقي والديني واللغوي الذي يتسم به سكانه، إذ يضم مجموعة متنوعة من الأقليات العرقية، من أبرزها العرب والكرد والتركمان؛ العرب يشكلون الأغلبية في جنوب ووسط البلاد، أما الأكراد فيعيشون بشكل رئيس في الشمال حيث إقليم كردستان، ويتحدثون اللغة الكردية، ويمثلون جزءًا أساسيًا من الهوية العراقية، التركمان أيضًا يشكلون مجموعة هامة، ويعيشون في مناطق شمالية مثل كركوك والموصل، وهم يتحدثون التركية العراقية.
التنوع الديني أيضا يظهر بوضوح في هذا البلد إذ يُعتبر بلدًا متعدد الأديان والطوائف، وفي حين يسود فيه الإسلام إلا أن المسلمين منقسمون إلى طائفتين رئيسيتين: الشيعة والسنة، تهيمن الشيعة في الجنوب والوسط والسنة في الغرب والشمال. الطوائف المسيحية لها تواجدها أيضاً، وخاصة في مناطق مثل بغداد وأربيل، إضافة إلى الأقلية الإيزيدية التي تعيش في شمال العراق، وكذلك اليهود الذين كانوا يشكلون جزءًا من التركيبة الاجتماعية في الماضي.
إلى جانب تعدد الأقليات والتنوع الديني تشكل اللغة إحدى ملامح التنوع الهوياتي هناك، فإلى جانب العربية باعتبارها اللغة الرسمية في البلاد، تعد الكردية أيضًا لغة رسمية في إقليم كردستان، وإلى جانب هاتين اللغتين، يتحدث العديد من العراقيين بلهجات محلية مختلفة، مثلًا، هناك اللهجة البغدادية، والموصلية، والكردية، والتركمانية، مما يعزز من تنوع الهوية اللغوية.
هذا التنوع الهوياتي يعكس تاريخًا طويلًا من التعايش والتفاعل جعل من العراق بلدًا غنيًا ثقافيًا واجتماعيًا، ظلت بفضله الهوية العراقية قوية ومتماسكة لفترات طويلة، ومع قيام الدولة العراقية الحديثة في مطلع القرن العشرين، بدأ التنوع يتحول تدريجيًا إلى تحدٍّ سياسي بسبب غياب استراتيجية واضحة لإداته بما يعزز الانسجام المجتمعي، وبعد سقوط الدولة العراقية في 2003م بسبب الغزو الأمريكي ورغم الإمكانات الإيجابية، فقد أصبح التنوع في العراق مصدرًا للصراعات بدلًا من أن يكون عاملًا للوحدة.
الصراع الطائفي وانعكاساته
أخذ النفوذ الطائفي في العراق امتدادات تاريخية وجغرافية ملحوظة وبخاصة في الآونة الأخيرة، فالمناطق الجنوبية ذات الغالبية الشيعية، والشمالية ذات الغالبية الكردية، والمناطق الغربية ذات الغالبية السنية، أصبحت تمثل خطوط انقسام واضحة.
وقد ارتبطت حالة العراق بعد الغزو الأميركي، عام 2003، بالانقسام الطائفي، ورغم أن وجود الطوائف ذاته ليس من صناعة الاحتلال ولا من نتائجه، لكنه - أي الإحتلال- استخدمها وأسهم نوعا ما في تغولها وطغيانها على العمل السياسي، الأمر الذي تحولت بسببه الطائفية إلى ظاهرة سياسية اكتسبت بُعدًا رسميًّا من خلال توزيع المناصب فيما سُمي بالمحاصصة منذ مجلس الحكم في يوليو/تموز 2003.
وبرغم بروزها بعد استخدامها السياسي الواسع، فالطائفية في العراق، ليست حالة محلية، بل هي جزء من سياق أوسع، يشمل عموم المنطقة، بدأت بواعثه المعاصرة القوية والواضحة مع الثورة الخمينية في إيران 1979، إذ صدرت مفاهيم التشيع السياسي في المنطقة لا سيما من خلال أذرع وامتدادات فكرية وعسكرية بدأت مع حزب الله في لبنان وتواصلت مع العشرات من الميليشيات في العراق واليمن وسوريا، وجاء الاحتلال الأميركي للعراق ليحول الظاهرة الطائفية المتصاعدة في المنطقة إلى حالة مؤسسية، سرعان ما فرضت أنماطها، وانتشرت تداعياتها الدموية في دول الإقليم، وظهرت بوضوح مع أول فرصة لضعف الدولة في سوريا، وخلقت توترًا متواصلًا في البحرين والسعودية، وحربًا مدمرة في اليمن.
وسواء كان تصاعد ظاهرة الانقسام الطائفي في العراق سببًا في نشرها ضمن سياق إقليمي أم إنها كانت نتيجة لهذا السياق، فإن الظاهرة بحد ذاتها صارت سببًا مباشرًا للانقسام العمودي في عدة مجتمعات عربية، وتسببت في تغيير عميق للأولويات الوطنية والقومية وفي النظرة للذات وللآخر وبخاصة في العراق.
لقد تسبب السياسات التي نتجت عن الاحتلال الأميركي والتخادم الإيراني في تكريس عملية توزيع السلطة والنفوذ والثروة على أساس طائفي وعرقي وتحويلها من تقليد سياسي فرضته سلطة الاحتلال، إلى نمط اجتماعي، اتخذ طابعًا عنيفًا ودمويًّا، ولم يهدأ نسبيًّا إلا بعد إنجاز عمليات التغيير الديمغرافي واسعة النطاق.
وفيما كانت الخلافات حول قضايا وحوادث تاريخية ومرجعيات عقائدية هي السبب المزمن في الانقسام بين الشيعة والسُنَّة، فإن التنافس على السلطة والموارد والمكانة كانت دوافع إضافية وراء مظاهرها وتجلياتها الحديثة، وقد أدت مأسسة الهويات الطائفية إلى نشوب صراعات حول مكانة وحدود وقوة كل طائفة، وقد كان لهذه الصراعات أثر مزعزع للاستقرار، خاصة عندما كانت تضفي مشروعية على أعمال الجماعات التي تمارس العنف وتدعي تمثيل طوائفها.. وبرغم تصريحات المسؤولين والسياسيين العراقيين المتكررة عن ضرورة إلغاء نظام (المحاصصة) الطائفية والعرقية في تشكيل الحكومات وفي بناء الهيكل الإداري للدولة، إلا أن أيًّا من هذه الدعوات لم يتحقق، وظل الجميع متفقين على العرف السياسي الذي بدأ تطبيقه عام 2005، وذلك باختيار رئيس جمهورية كردي ورئيس وزراء شيعي ورئيس مجلس نواب سني، كما جرى اختيار نواب لكل من هؤلاء الرؤساء بموجب نفس المعيار، وقد كان يفترض بهذه الآلية أن تكون مؤقتة، لاسيما أنها ليست جزءًا من الدستور، لكنها تحولت إلى عُرف سياسي دائم على الطراز اللبناني، وتكرر بنفس السياق خلال ثلاثة انتخابات عامة لاحقة، وكانت في واقع الأمر جزءًا من سياق الانقسام العام في الدولة الذي كان ينقل باستمرار أنماطه إلى المجتمع، حتى أصبحت جزءًا مقبولًا من الهيكل الاجتماعي السائد، رغم أنها تسببت بمشكلات لا حصر لها منها مثلًا ظهور كيانات طائفية مسلحة تمارس العنف والعنف المقابل، وتكريس الفساد في مؤسسات الدولة، وتهميش خيار المواطنة لصالح الانتماءات الطائفية والعِرقية، وكذلك انقسام المواقف الداخلية إزاء الأحداث الإقليمية على أساس علاقتها بالانتماءات الطائفية.
لقد انتقلت عدوى الانقسام من الطبقة السياسية إلى المجتمع، ورغم أن هذا الانتقال تأخر نسبيًّا بسبب الرفض الاجتماعي له، لاسيما في العام الأول بعد الغزو الأميركي، لكنها لم تصمد أمام إصرار مؤسسات الحكم وتنظيماتها المسلحة والتدخل الإيراني وسلطة الاحتلال على تكريسها، وكذلك ظهور تنظيمات مسلحة متطرفة حاربت الاحتلال بدعاوى طائفية عابرة للوطنية، تجسدت بتنظيم القاعدة، الأمر الذي تسبب بانتشار الظاهرة الطائفية في المجتمع لاسيما بعد انفجار سامراء، في فبراير 2006، وما تلاه من نزاع طائفي وعمليات تهجير قسري للسكان على أساس طائفي، من قبل الطرفين.
القوالب والتأثيرات
اتخذ الصراع الطائفي من مختلف الشؤون العامة والخاصة في البلاد قالبه الخاص، وتشكل في قوالب عدة، هذه القوالب تُمثلُ الإطار الذي يتشكل داخله هذا الصراع وتُسهم في تعميق تأثيراته على الهوية الوطنية والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وقد تنوعت هذه القوالب بين سياسية واجتماعية وعسكرية واقتصادية ودينية وإعلامية وإقليمية ودولية، ففي القالب السياسي أدى نظام المحاصصة الطائفية إلى تهميش الهوية الوطنية لصالح الولاءات الطائفية والعرقية، مما أضعف مؤسسات الدولة وفتح الباب أمام الفساد والاستقطاب، وبالتالي انتقل الانقسام الطائفي من الطبقة السياسية إلى المجتمع العراقي، حيث أصبح الناس ينظرون إلى أنفسهم وإلى الآخرين من خلال انتماءاتهم الطائفية، هذا الأمر أدى إلى تآكل النسيج المجتمعي الذي كان يقوم على التعايش، وحوَّل المدن والمناطق إلى تجمعات طائفية منفصلة، مما عمّق التمييز وزاد من حدة التوترات اليومية.
عسكريًا؛ أخذ الصراع الطائفي بعده العسكري من خلال تشكيل ميليشيات مسلحة على أسس طائفية؛ هذه الميليشيات أصبحت أدوات للصراع الداخلي والتخادم الخارجي، حيث ادّعت الدفاع عن مصالح طوائفها ضد الأطراف الأخرى، وقد أدى هذا القالب إلى تصاعد العنف الطائفي، وظهور عمليات التهجير القسري، وتدمير المجتمعات المحلية، فضلًا عن إضعاف الدولة التي فقدت احتكارها للقوة.
اقتصاديا؛ تحولت الموارد والثروات في العراق، وخاصة النفط، إلى محور للصراع الطائفي، حيث تم استغلال الثروات الوطنية على أسس طائفية، وتمكنت إيران من بسط نفوذ أذرعها على هذه الثروات، الأمر الذي عزز التفاوت الاقتصادي بين المكونات المختلفة، وزاد من الصراع على الموارد.
دينيا؛ استخدمت القوى السياسية والجماعات المسلحة الرموز والشعارات الدينية لتعبئة الجماهير وإضفاء الشرعية على العنف، ما تسبب في تصاعد خطاب الكراهية وتدمير القيم المشتركة التي كانت تربط الطوائف ببعضها.
إلى ذلك فقد أصبح الصراع الطائفي جزءًا من صراعات أوسع في المنطقة، حيث كرست إيران جهودها في تعزيز الانقسام الطائفي من خلال دعم أتباعها هناك وإعادة تشكيل الهوية بناء على تلك الانتماءات العابرة للحدود، الأمر زاد من تعقيد الصراع، وحوَّل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الأطراف المتنافسة.
بناء على هذه القوالب تعددت التأثيرات، وألقت بظلالها على العديد من الجوانب، ما أدى إلى تآكل وتفكيك الهوية الوطنية العراقية، وتصاعد العنف وعدم الاستقرار، وتفاقم الفساد السياسي والإداري، وإضعاف الدولة وتعزيز النفوذ الخارجي، الأمر الذي زاد من معاناة المواطن العراقي، وتهجير السكان وتغيير التركيبة السكانية.
الصراع الطائفي في العراق لم يكن دائمًا السبب الأساسي للأحداث الكبرى، لكنه كان غالبًا عاملًا مؤثرًا فيها، وقد لعب دورا كبيرا في تعزيز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، مما جعل الولاءات الطائفية تتفوق على الولاء للوطن.
العمق العربي
على مدى العقد الأخير، أصبح العراق ساحة لنفوذ إيراني واسع النطاق، تعزّز عبر عوامل سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، أسهمت في إضعاف استقلالية القــرار العراقي وأبعدتــه عــــن حضنـه العربي الطبيعي، ومع ذلك، فإن الحديث عن عودة العراق إلى عمقه العربي يظل مطروحًا بقوة كطموح استراتيجي عربي وعراقي، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة التي قد تُعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
فمنذ ما بعد عام 2003، وجدت طهران في سقوط نظام صدام حسين فرصة ذهبية لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، معتمدة في ذلك على التدخلات وتكريس الدعم السياسي للفصائل الشيعية لتعزيز تأثيرها على المشهد السياسي العراقي، كما سيطرت إيران على قطاعات اقتصادية عراقية مهمة، مثل الطاقة والتجارة، ما أضعف استقلال الاقتصاد العراقي وربطه بالاقتصاد الإيراني، بل واستخدمت طهران الروابط المذهبية لتعزيز حضورها الثقافي والديني، خصوصًا في كربلاء والنجف ومناطق الجنوب العراقي.
وبناء على ذلك فقد أدى هذا النفوذ إلى تعزيز الانقسام وتآكل الهوية الوطنية الجامعة وإبعاد الوطن العراقي عن عمقه العربي ومثلت الميليشيات المدعومة إيرانيا عائقًا كبيرا أمام استقرار الدولة واستقلال قرارها، ما يجعل من استغلال المتغيرات الراهنة في المنطقة فرصة كبيرة لتغيير المعادلة واتخاذ خطوات جريئة لتحجيم النفوذ الإيراني، بل وضرورة انفتاح القيادة العراقية على محيطها العربي الذي بالمقابل يجب عليه تبني مشاريع متكاملة لدعم العراق اقتصاديًا وسياسيًا بالشكل الذي يمكنه من التخلص من النفوذ الإيراني.
خلاصة القول
الصراع الطائفي في العراق كان له تأثير مدمر على الهوية الوطنية والسياسية والاجتماعية والحضارية للبلاد بشكل كبير، حيث أدى إلى تكريس الانقسام المجتمعي وتجريف الهوية العروبية وتدمير العديد من المعالم الثقافية والتاريخية التي كانت تمثل جزءًا من التراث العراقي المشترك. وقد ساهم الصراع في تعزيز الهوية الطائفية على حساب الهوية الوطنية والعراقية الموحدة، مما أثر على قدرة الشعب العراقي في الحفاظ على هذا التراث. ومع ذلك، يظل من الضروري بذل جهود كبيرة لإعادة بناء هذا الهدم الذي تسبب به الصراع الطائفي والحفاظ على الهوية الحضارية والثقافية والتاريخية العريقة لهذا الضلع المهم في الجسد العربي الكبير ■
[