آخر تحديث :الأحد-30 مارس 2025-08:13م

مجلة جرهم


اتجاهات الأزمة اليمنية في ضوء التحولات الراهنة.. تقدير موقف

اتجاهات الأزمة اليمنية في ضوء التحولات الراهنة.. تقدير موقف

الخميس - 13 مارس 2025 - 05:25 م بتوقيت عدن

- مجلة جرهم ــ عميد.. د. علي الذهب


مثَّلت الهُدنة الإنسانية للحرب اليمنية، التي دخلت حيِّز النفاذ في 2 إبريل 2022، خطوةً سياسيةً متقدمة نحو السلام، وسعيًا متدرجًا لوقف حربٍ دمَّرت البلاد طيلة سبع سنوات. وقد عزَّز هذا التصور الدعمُ الكبير الذي أبدته المملكة العربية السعودية، بجانب الدور المحوري للأمم المتحدة، إلا أنَّه وبعد مُضي ثلاث سنوات على الهدنة، لم تتجاوز آثارها حدود خفض العنف في الداخل مع بعض الاختراقات، ووقْفِه، كُليًّا، بين الحوثيين وتحالُف دعم الشرعية اليمنية، ممثَّلًا في السعودية والإمارات. وكان واضحًا أنَ انخراط الحوثيين في حرب غزة (أكتوبر 2023- يناير 2025)، الذي يصادف العام الثاني للهدنة، أبقى هذه الهدنة تراوح مكانها، وحمَّس أطرافًا دولية وإقليمية، للتفكير في مقاربات جديدة، تفضُّ الاشتباك القائم بين الحوثيين والحكومة اليمنية، والحؤول دون انخراطهم في أي عنف خارجي يزعزع أمن الإقليم، ويهدد المصالح الدولية.
عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار، في غزة، حيِّز النفاذ، في 15 يناير 2025، أعلن الحوثيون عن وقف هجماتهم على إسرائيل، والشحن التجاري البحري المرتبط بها، وبموانئها، وبالدول المتحالفة معها، خاصةً أمريكا وبريطانيا، وأن هذا الموقف مرهونٌ بتنفيذ الاتفاق. وعلى الإثر تصاعد الحديثُ عن استئناف الحرب في اليمن، وتلاشت معه الآمال بشأن عملية السلام المتعثرة منذ ثلاثة أعوام، في ظل خطاب حربي يردِّده الحوثيون، في حين تصف بعض قيادات من الحكومة الشرعية الحرب آخر الخيارات المطروحة. وأحاط بهذا الجدل سلسلة من التقلُّبات الإقليمية والدولية، التي تُغري بخيار الحسم العسكري لمواجهة الحوثيين، علاوة على مجموعة من العوامل الداخلية التي تتوزع بين هذا الخيار ونقيضه.
حرب غزة وقوة الحوثيين
كشف انخراط الحوثيين في حرب غزة، عن ظهور بعض قدراتهم العسكرية وتنوع وسائلها، وعن استغلالهم للفترة المنقضية من الهدنة الإنسانية لبناء هذه القدرات، من خلال الحصول على تقنيات عسكرية هجومية، وتعزيز التدريب العسكري، ووسائل الدفاع التقليدية. وقد أكَّدت عمليات الحوثيين خلال حرب غزة، بلوغ قدراتهم العسكرية مستوى التهديد الإقليمي، وإمكانية تطوُّر هذا التهديد ليصبح تهديدًا فوقَ إقليمي، لا سيما إذا ما استمرَّ التغاضي العربي والدولي عنهم، ومع استمرار تملُّك الحوثيين المزيد من الصواريخ، فإنهم سيكونون الحليف الإقليمي الأقوى لإيران، ومِن ثَم الأكثر تهديدًا لثلاث دول تقع في صدارة أجندة إيران، وهي: السعودية، ومصر، وإسرائيل. ليس ذلك فحسبُ، بل سينخرط الحوثيون، وبشكل علني، في المحور الأوراسي، الذي يُناوئ الولايات المتحدة والغرب عمومًا، والذي يضُم، إلى جانب إيران، كلًّا من: الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا.
إن مبعث هذا القلق، غزارةُ المقذوفات التي أعلن الحوثيون إطلاقها على إسرائيل، وسفن الشحن البحري المرتبطة في البحر الأحمر، بصرف النظر عن التأثير المتواضع لها.
لقد استثمر الحوثيون انخراطهم في حرب غزة، في توطيد تحالفات عسكرية وأمنية سابقة، مع فواعل عنيفة، ما دون الدولة، وعلى رأسها الجماعات الإيرانية المسلحة في العراق (حزب الله العراقي، والنُّجباء)، وحزب الله اللبناني، وحركتا حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. وقد تجسَّد ذلك في تنسيق التعاون بشأن الهجمات على إسرائيل، والشحن البحري، ضِمن ما أطلقوا عليه اسم "معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس". وأثار هذا التنسيق الجدل بشأن الهجمات التي طاولت معامل النفط في بقيق وخريص السعوديتين، في أغسطس 2019. حيثُ كان الحوثيون قد نَسَبوا تلك الهجمات إلى أنفسهم، في وقتٍ كانت المعلومات تشير إلى ضلوع حزب الله العراقي، وقيل أن الطائرات الانقضاضية، غير المأهولة، التي باشرت ذلك، كان مصدرها الأراضي العراقية.
وسَّع الحوثيون علاقاتهم باتجاه القرن الإفريقي، ونشأ بينهم وبين حركة الشباب الصومالية، تعاونٌ، غير مُعلن، تأكَّد وقوعه أواسط عام 2024، وأكَّدت ذلك أزيد من واقعة اعتراض بحرية لتهريب الأسلحة بين الجانبين، وكان آخرها مطلع فبراير 2025. وقد شمل هذا التعاون تبادل الخبرات والمعلومات، والتزود بالأسلحة والاشتراك والتنسيق في العمليات البحرية، تجاه سفن الشحن التجاري، والسفن الحربية الأمريكية. خصوصًا المنفَّذ منها في خليج عدن والمحيط الهندي جنوبي السواحل الصومالية. فقد ادَّعى الحوثيون تنفيذ عمليات هجومية على عدد من سفن الشحن هناك. ورغم التباين الأيديولوجي بينهما، إلا أن المصالح تطغى على القيم في مثل هذه الظروف، لا سيَّما أن الولايات المتحدة تبدو عدوًّا مشتركًا لهما، ومما يُذكر بعد ضبط شُحنات تهريب للأسلحة في خليج عدن، أنَّ ثمة تعاونًا مشتركًا، لا يقتصر على تهريب الأسلحة.
التقلبات الخارجية
كانت أبرز التقلُّبات السياسية الخارجية، التي ورد اسم الحوثيين فيها، ويرتبطون بها ارتباطًا مصيريًّا، انهيارُ حزب الله اللبناني، الذي مثَّل شريك الحوثيين في العنف خلال الحرب اليمنية. فقد مثل مقتل زعيم الحزب، وبقية قادة الحزب من الصف الأول والثاني، ضربة موجعة للحوثيين؛ لأنها غيَّبت عديد من التفاهمات السرية بين القيادتين. وأحدث سقوط النظام الحاكم في سورية، هزة عنيفة لدى الحوثيين، لم يتمكنوا من استيعابها؛ نظرًا إلى سرعة تهاوي النظام، رغم قوة أجهزته المخابراتية، وصموده أمام دوامة الحرب الداخلية طيلة أزيد من عَقْد. وبسقوط هذا النظام تلاشى دور إيران وحزب الله اللبناني في الأراضي السورية، وما كانا يؤمِّلانه من اتخاذ سورية شريانًا جغرافيًّا لإيران، لتزويده بمتطلبات إعادة بناء نفسه، جراء ما لحق به؛ بفعل الضربات الإسرائيلية الشرسة، طيلة النصف الثاني من عام 2024. وكل هذا وذاك انعكس، في أكثر من اتجاه، على مستقبل الحوثيين السياسي والعسكري.
مثلما تأثر الحوثيون، بما جرى في سورية ولبنان، تأثروا بتراجع قوة إيران الإقليمية؛ بفعل ما تعرضت له من انتكاسات متوالية، طاولت بُناها السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، ومن ذلك مقتلُ الرئيس إبراهيم رئيسي، ووزير الخارجية، ومسئولين آخرين، في الحادث الغامض لسقوط الطائرة التي كانت تُقلُّهم، شمال غربي البلاد، في مايو 2024. وكذلك مقتلُ عدد من قادة الحرس الثوري في سورية ولبنان، خلال حرب غزة. ربما يكون تأثُّر الحوثيين قابلٌ للمعالجة، لكنه قد يصبح شديدًا إذا ما طال أمد ذلك، نظرًا إلى النوايا الامريكية تجاه إيران، في ظل إدارة الرئيس ترامب، التي افتتحها بالتوقيع على مذكرة رئاسية لإعادة فرض العقوبات عليها، ضمن ما يُعرف بسياسة الضغوط القصوى.
يُضاف إلى ذلك، موقف ترامب من الحوثيين أنفسهم؛ حيث أصدر في يناير 2025، أمرًا تنفيذيًّا بإعادة تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية. وهو تصنيف أقوى من التصنيف الذي وضعتهم فيه إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، في فبراير 2023؛ لأنه أوسع مجالًا في موضوع العقوبات، والكيانات والأشخاص التي قد تطالهم، وذلك ما يزيد فرص الحسم العسكري على فرص السلام.
ولا يُغفَل التقدم الذي أحرزه الجيش السوداني في العاصمة الخرطوم وغيرها من المدن، على قوات الدعم السريع. إذ مثَّل ذلك حافزًا لمواجهة الحوثيين، إلى جانب ما أحدثته التحولات التي طرأت على الوضع في سورية.
الحرب أم السلام: أيُّهما أقرب؟
إزاء التقلبات السياسية والعسكرية في المحيط الإقليمي لليمن، كانت استجابات أطراف الصراع في اليمن متفاوتة، وكان ملموسًا حالة الاستنفار التي سلكها الحوثيون في المجالات العسكرية والأمنية، وعلى المستوى الشعبي والقبلي. وفي المقابل تداعت المقاومة الشعبية، والقبائل الموالية للحكومة، إلى الاستنفار المسلح، والدعوة إلى استئناف الحرب أمام الحوثيين، ودعوة هذه الحكومة إلى استثمار التحولات الإقليمية، واستلهام الدروس منها، بوصفها فُرصًا ثمينة قد لا تتكرر، إلا أن بعض كبار مسئولي الحكومة لا يُبدون أيِّ حماس تجاه استئناف الحرب، ويعلنون أن خيار السلام قائم ومقدَّم على خيار العنف، وكأن المسألة تأخذ طابعًا آخرًا وفقًا لما تقتضيه تكتيكات الحروب.
وفقًا للمعطيات الراهنة، خارجيًّا ومحليًّا، يمكن تصور المسارات المستقبلية المحتملة، تجاه الأزمة اليمنية، وعلى المدى القريب، في إطار سيناريوهين، هما:
السيناريو الأول: استئناف الحرب
يضع هذا السيناريو استئناف الحرب في مسارين:
المسار (أ)/ المواجهة الواسعة الرقعة:
وفيها تأخذ المواجهة نطاقًا جغرافيًّا واسعًا. حيث تشتعل فيها معظم جبهات القتال الفاعلة، التي تقود إلى تضييق الخناق على الحوثيين من اتجاهات متعددة. وهذا يعني أنها قد تمتد في شكل هلال ملتهب، يبدأ من حجة وصعدة وعمران، وحتى مارب وصنعاء والبيضاء وذمار، ثم إب وتعز والحديدة. مع التركز على المناطق الرخوة دفاعيًّا، وإلقاء الثقل العسكري على النقاط ذات القيمة الاستراتيجية منها.
والمسار (ب)/ المواجهة الخاطفة المحدودة الرقعة:
وفيها يُركَّز الهجوم على الشريط الساحلي الغربي، للسيطرة على موانئ الحُديدة وحَجَّة، وثم تطوير الهجوم نحو العمق، لتوفير منطقة مناورة آمنة. ويرافق ذلك محاولة إحراز تقدمات سريعة وقيِّمة، في الجبهات الاستراتيجية المتوقفة مثل: العاصمة صنعاء، وصعدة، وتعز.
يواجه هذا السيناريو تحديات سياسية، ومادية، وفنية. فقراره، أولًا، مرهون بإرادة كلٍّ من قيادة تحالف دعم الشرعية متمثلة في السعودية، والإمارات، ومشاركة أمريكية في القرار والإشراف العام، اللوجستي، والمعلوماتي، والدفاعي لكلا الدولتين. ذلك أن عودة الحرب لن يُبقي السعودية والإمارات بعيدًا عن الاستجابات العنيفة للحوثيين وحلفائهم، حتى وإن أعلنت الدولتان أنهما غير منخرطتين في الحرب. ثم إن هذا الخيار يتطلب ترتيبات سياسية في صفوف المكونات الحكومية، تضمن توحيد الجهود وردم الفجوة بينها، إلى جانب ضمان عدم اللجوء إلى قرارات طائشة، تمسُّ وحدة البلاد، مما يؤدي إلى انتكاسة تكون عواقبها وخيمة.
السناريو الثاني: السلام وإن طال طريقه
يعد هذا السيناريو أقرب للواقع. ويشير إلى تجميد خيار العنف، والمضي في عملية السلام ببطء شديد. فلا تزال الأزمة اليمنية ورقة ثمينة في سوق المزادات الإقليمية والدولية. حيث أن هنالك ملفاتٍ محلية وإقليمية مفتوحة، يمكن المساومة بهذه الأزمة فيها. ويرتبط هذا السيناريو، في عمومه، بنظرة سياسية تكاد تبلغ مرحلة الاقتناع لدى الأطراف الخارجية المحركة للحرب، وهي أن الحل السياسي ممكنٌ وإن طال أمده، أمام الخيار العسكري الذي تحيط به الكثير من العوائق ■