آخر تحديث :الأحد-30 مارس 2025-08:13م

مجلة جرهم


الخطوط المتوازنة في عالم متغير

الخطوط المتوازنة في عالم متغير

الأربعاء - 12 مارس 2025 - 12:00 ص بتوقيت عدن

- مجلة جرهم ــ مدير التحرير

ما بين توازن القوى وتوازي المصالح والتنافسات، تواصل القوى الدولية والإقليمية صراعاتها على مسارات متوازية، ولكل مسارٍ خطه الأيديولوجي أو الوطني أو السياسي أو الأمني، ووسائله وغاياته وفلسفاته الخاصة، ومع مرور الزمن، تظهر المسافة بين هذه المسارات، مما يكشف مدى اتساع الهوة أو احتمالية التقارب بينها، وأحيانًا يصعب التنبؤ بتقاطعاتها، وتتسبب عوامل مثل تعصب الأيديولوجيات، أو ثبات المواقف، أو ضغط القوة وقوة الضغط في حدوث تحولات غير متوقعة تؤدي إلى تغيير مساراتها، أو الدفع بها نحو الالتقاء الحتمي.
في الهندسة الإقليدية – ويمكننا تسميتها بالتقليدية– يكون الخطان متوازيين إذا سارا في الاتجاه نفسه وقد لا يلتقيان أبدًا، بينما في الهندسات الأخرى، مثل الهندسة الكروية، قد يتقاطع الخطان في نقطتين على سطح الكرة، وهما نقطتا القطبين، وهذا ما يمكننا إسقاطه هنا على عالمٍ متغيرٍ يحكمه قطبان يسيران في خطوط متوازية، ويتصاعد بينهما التنافس والصراع بشكل يومي على عدة مستويات، بين سياسية وعسكرية واقتصادية وتكنولوجية تحكمها معايير القوة والنفوذ والموارد.
من خلال شواهد كثيرة يبدو التنافس على أشده في عدد من الجوانب بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما كشفته مؤخرًا بعض اختبارات الأسلحة المتطورة، والانتشار في الفضاء، إلى جانب ظهور تطبيقات ذكاء اصطناعي صينية أدت إلى خسائر كبيرة في أسهم الشركات الأمريكية المهتمة بهذا المجال.
اقتصاديا، برزت محاولات إلغاء الدولرة في التعاملات التجارية؛ كأحد التحديات في مسار الصراع الأمريكي مع قوى ناشئة تدعمها الصين وروسيا، مثل تجمع بريكس، وهو ما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحذر دول البريكس من أنها ستواجه رسومًا جمركية في تبادلاتها التجارية مع أمريكا بنسبة 150٪ بمجرد ذكرها تدمير الدولار، وقال في تصريحٍ له: إن بلاده ستطلب من تلك الدول الالتزام بعدم إطلاق عملة جديدة للمجموعة، أو دعم أي عملة أخرى لتحل محل الدولار الأمريكي.
سياسيًّا وعسكريًا، ومن خلال التحولات الراهنة والارتدادات المختلفة للأحداث، ومع ظهور القيادة الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية، يبدو لنا العالم في ضوء هندسة جديدة قد تغير مسارات القوى المتوازية، هندسةً مليئة بالتحولات والمتغيرات على مختلف الأصعدة، حتى إن الكثير من الصراعات الحاصلة قد تأخذ منحًى آخر، بل وتتحرك في مسارات غير مرئية نحو نهايات غامضة وتقاطعات مفاجئة، وهذا ما حدث في العديد من الأزمات الدولية والإقليمية، وتتجه نحوه الحرب الروسية الأوكرانية، بل وشهدته المنطقة العربية بالذات بعد أحداث السابع من أكتوبر التي ألقت بظلالها على كل من لبنان وسورية، في حين لا يزال الوضع الفلسطيني أسيرًا للغموض والتوقعات خاصة بعد اتفاق الهدنة ووقف إطلاق النار، وهو الحال الذي تبدو عليه اتجاهات الأزمة اليمنية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية.
بإمكاننا اعتبار منطقة الشرق الأوسط بمثابة نقطة الارتكاز التي تنطلق منها وإليها عدد من تلك الخطوط والمسارات، وفيها تتنوع نوافذ الصراعات وتتعدد أشكالها ابتداءً من الصراعات داخل الدول وانتهاءً بتعزيز القوى الإقليمية والدولية لنفوذها على الممرات البحرية وخطوط الطاقة، وتتكئ كل جماعة في إطار الصراعات داخل الدول على داعمٍ إقليمي أو دولي لتمكين سيطرته وتحقيق مصالحه، الأمر الذي يبدو معه التقارب صعبًا بين أطراف الصراع، وخصوصًا في ظل سياق الأيديولوجيا وسباق المشاريع بين الجماعات المتطرفة في عدد من دول المنطقة، حيث ينعدم السلام وتتناثر أحلام الشعوب بين القوى الكبرى، ويظل مصيرها معلقًا بين الأمل واليأس، بين السلام والحرب، ويطفو فيه التنافس على حساب الإنسانية التي يجب معها أن يكون الإنسان أولًا.
في الواقع، نجد أن السلام في سياق الصراعات العالمية والعربية قد يكون بعيد المنال في لحظات عديدة، ذلك أن الدول الكبرى التي تدخلت في شؤون المنطقة تحت ذرائع عديدة، تتبع سياسات إما متعارضة أو متوازية من أجل تحقيق أهدافها الجيوسياسية، دون أن تسعى إلى تحقيق السلام الدائم، إلى جانب أن بعض القوى المتنازعة عادةً ما تكون محكومة بمنطق الصراع، ومتشبثة بالمفاهيم التي تدفع بها نحو الحروب أكثر من الحلول السلمية.
على مستوى منطقتنا العربية، تتحكم الأيديولوجيات المختلفة والرهانات السياسية في مجريات الأحداث بشكلٍ تبرز فيه الخطوط المتوازية بوضوح.. ففي الوضع الفلسطيني مثلًا، نجد أن الاحتلال والإستقلال يسيران على التوازي فلا يلتقيان في المفهوم ولا الواقع إطلاقًا.. ما جعل الموقف العربي متأرجحًا بين الضغط والضغط المضاد، ورغم معاهدات السلام والمبادرات المختلفة، استمر الكيان بالاتجاه في مسار الاستفزازات وتكريس ممارسات التهجير والقمع والاستيطان ووأد كل محاولات إنشاء دولة فلسطينية، ومع ذلك يسعى -وبدعم دولي ورعاية أمريكية- إلى التطبيع مع الدول الفاعلة في المنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي طالما رفضت ذلك دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود سبعة وستين وعاصمتها القدس، وهو الموقف الثابت الذي تعاقبت عليه قيادة المملكة منذ منتصف القرن العشرين حتى الآن، حيث دعمت القرار الأممي 242 بعد حرب 1967، ودعمت مخرجات قمة بغداد بعد حرب 73، وطرحت "مبادرة الملك فهد" للسلام في 1981، وهو ما أكدت عليه "مبادرة السلام العربية" في 2002م، ولا تزال الرياض تتمسك بحل عادل للقضية الفلسطينية كموقف ثابت لأي التقاء أو علاقة في هذا الجانب.
في اليمن مثلًا، جماعة انقلبت على الدولة وترى بنظرية الحق الإلهي في الحكم بناء على اعتبارات سلالية، بل وتستجر معها صراعات القرون الأولى بأساليبَ طالما أكدت الذاكرة التاريخية مدى الدس والتزوير الذي امتلأت بهما تفاصيلها، هذه الجماعة تدعمها إيران وقوى دولية أخرى، حيث تشجعها في مواجهة الدولة الوطنية القائمة على الشرعية والمواطنة المتساوية، ما جعل الطرفين يسيران في خطين متوازيين فشلت معه كل جهود التقريب والالتقاء نتيجة لتعنت الحوثيين في كل محاولات السلام، الأمر الذي تبدو معه - في ظل الهندسة الجديدة للعالم - خيارات الحسم بالقوة هي الأقرب لإعادة الوضع في البلاد إلى مساره الطبيعي.
ختامًا، تبقى أفضل نقطة التقاء للخطوط المتوازية في السياسة والصراع هي السلام، ولكن هذا السلام لا يأتي بسهولة، فهو يتطلب تجاوز الأيديولوجيات المتصارعة، وتقبل الاختلافات، وتحقيق التوازن بين المصالح المتناقضة، والانتماء للداخل أكثر من الخارج..
السلام، إذا كان نقطة التقاء، فهو يتطلب إرادة حقيقية من جميع الأطراف في سبيل عالم خالٍ من العنف والتوتر، لكن رغم كل العقبات، يظل الأمل قائمًا في أن تجد هذه الخطوط المتوازية طريقًا إلى التلاقي، وأن يكون السلام هو النهاية التي يؤمل الجميع في الوصول إليها.
ومما يجدر الإشارة إليه، أن هذا العدد من مجلة جرهم، قد اشتمل على العديد من القراءات والتناولات لمعظم المواضيع التي تم الإشارة إليها في هذه الافتتاحية، كالوضع السوري واليمني والفلسطيني، ونوافذ الصراع في الشرق الأوسط، وملف خاص بعنوان الإنسان أولًا، إلى جانب الذاكرة التاريخية، واقتصاديًا موضوع الدولرة ومحاولات الإلغاء، كما يحتوي العدد على تبويبات فكرية واجتماعية ودينية وإعلامية وأدبية، وغيرها مما نتمنى أن نكون قد قدمنا من خلالها رؤًى معمقة وتحليلات وقراءات وتناولات للعديد من القضايا التي يمكن للقراء والمتابعين والباحثين الاستفادة منها، وتدعو إدارة المجلة كافة القراء والكتاب والصحفيين والأكاديميين إلى إبداء آرائهم وملاحظاتهم وتقييماتهم لما ورد في هذا العدد عبر قنوات التواصل الموضحة في المجلة، مع الإحاطة بأن صفحات المجلة مفتوحة لمن أراد المشاركة في الأعداد القادمة بمشيئة الله تعالى■